الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

104

مرآة الحقائق

فقوله : « علم ما لم يعلم » : إشارة إلى هذا العلم الذي هو نتيجة التقوى المأخوذة من الشرع ، لا نتيجة الأمور الموضوعة من طريق العقل . ومن هنا ذمّ الوضع مطلقا ؛ لأنه عقيم ، ومدح الشريعة ؛ لأنها ولود ، والولود وإن كانت سوداء ؛ فحسنة مع أن الشريعة بيضاء صورة ، ومعنى . كما دلّ عليه قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « تركتكم على المحجة البيضاء » « 1 » . والعقيم إذا كانت حسنة بيضاء ؛ فقبيحة سوداء ؛ ولذا أمرنا بإكثار النكاح ؛ لتكثير الذّريّة ، وبثّ النسل ؛ ليظهر كمال الدين ، وحقيقة التوحيد ، وإمداد السواد الأعظم ؛ وهم هذه الأمة المرحومة القاصرة أعمارها في الظاهر ، الكاملة أنوارها في الباطن ، فإنهم جاءوا وقت الأصيل ، وظله هذا الوقت ممدود فأعرف ذلك . وإن كان من الأشقياء ؛ فإنما يستكمل له أمره في مدة سبعين سنة غالبا ؛ لأن قعر جهنم إنما يبلغه في هذه المدة ، كما عرف في قصة الهدّة ، وكما أن القصب ينمو أبنوبا فأبنوبا فكذا الإنسان في باب الخير والشر . فإن قلت : فقد يكون بحيث لا يبلغ الإنسان إلى المدة التي ذكرت ؟ . قلت : إن اللّه تعالى إنما ذكر الإملاء في حق الذين وصفهم بالخبث الزائد ، فلكل من أهل السعادة والشقاوة مراتب مراتب ، فطيب وأطيب ، وخبيث وأخبث . وقوله : ( وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ ) إشارة إلى أن الإهانة إنما جاءت في الحقيقة من قبل الأسباب الخارجية ؛ كطول العمر ، والغنى ، والجاه ، ونحو ذلك . وقد ثبت أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم خشي على أمته من المال ، وسعة الدنيا ، وجعل حب الجاه آخر ما يخرج من رؤوس الصدّيقين ، فأمثال ذلك قد تحصل للعبد ؛ لكن من

--> - وبالجملة : عليك بالحق وفريقه وأهله وطريقه ، فإن الرجال إذا تنوعوا دار الأمر بينهم وفيهم وعليهم . لا زوال للحق ولا شك فيه ، ولا يأخذه النقص ولا يختلف ولا يتغير ، وهو الذي به هو الشيء وما هو ، وهو الشاهد المتفق من جميع جهاته ، وهو هو كما تقدم ، وكل حائر فمن أجله كانت حيرته وفيه وبه . فافهم . فإنه هو المطلوب وبه يطلب ، ومنه الطالب وله ومنه وعنه الكل . وقد خرج بنا الكلام إلى غير الذي قصدناه فنرجع له بحول اللّه تعالى . ( 1 ) ذكره المناوي في فيض القدير ( 4 / 506 ) ، وابن القيم في شرح المختصر للمنذري ( 1 / 87 ) .